الشيخ عبد الغني النابلسي
106
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
من حيث الصورة الروحانية المتمثلة البشرية فينسبه لجبريل عليه السلام ويقول فيه : إنه مثل جبريل عليه السلام لما تمثل في صورة البشر السوي ، فهو ملك بشر وهو قول المسلمين أيضا ، والمحيي للموتى هو اللّه تعالى أيضا متجليا بصورته كما تجلى على مريم بصورة جبريل عليه السلام بعد تصوّره في صورة البشر السوي ، ونفخ سبحانه في مريم ، فكان عيسى عليه السلام ، ولهذا نسب تعالى النفخ فيه ، فقال : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [ الأنبياء : 91 ] ، فيكون هنا في إحياء الموتى بعيسى عليه السلام للّه تعالى تجل بثلاث صور : صورة جبريل الأصلية من غير أن تتغير ، وصورة البشر السوي التي جاء بها جبريل إلى مريم عليها السلام ، وصورة عيسى عليه السلام ، وذلك في إبراء الأكمه والأبرص . وهذا هو التثليث الصحيح في الملة العيسوية المعبر عنه باسم الأب ، وهو صورة البشر السوي ، والابن وهو صورة عيسى عليه السلام ، وروح القدس وهو جبريل عليه السلام بصورته الأصلية النورية الملكية . وهذه الثلاثة هو اللّه تعالى باعتبار تجليه سبحانه بهذه الصور الثلاث التي بعضها فوق بعض بالمراتب الوجودية ، على معنى أنه قيوم عليها وهي ممسوكة به ، لا أن له حلولا في شيء منها ، ولا اتحادا له بها ، ولا انحلالا لها منه : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ الإخلاص : 3 - 4 ] . ومن ناظر فيه ، أي عيسى عليه السلام من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى فينسبه إلى اللّه تعالى بالروح ، أي بسبب روحه الأمري المنفوخ فينقطع استهلاكه بالصورة الناسوتية في الحقيقة اللاهوتية فيقول فيه إنه روح اللّه كما قال سبحانه : وَرُوحٌ مِنْهُ وهذا القول قريب مما قبله لكن لا اعتبار فيه للصورة المتمثلة أي به ، يعني بعيسى عليه السلام الذي هو روح اللّه ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه من الطير والموتى ، وهذا القول أيضا للمسلمين لورود القرآن والسنة به ، وإنما الكافرون أخذوا القول الأوّل منها وهو كونه ابن مريم وادعوا حلول الألوهية فيه . وبعضهم أخذ القول الثاني وادعى اتحاد الألوهية ، وأنه بهذا الاعتبار نفس الإله ، فقالوا : إن الإله تثلث وانقسم إلى أب وابن وروح قدس ، ثم قالوا : إله واحد ، وجعلوا الثلاثة أقانيم ، والأقنوم في لغتهم معناه الأصل ، أي أصول ثلاثة ، ثم سموها ثلاث صفات فقالوا : وجود وحياة وعلم . ثم قالوا : حل أقنوم العلم وحده في عيسى ابن مريم ، ثم قالوا فيه : أنه صلب ناسوته فانفصل منه أقنوم العلم ورجع إلى أصله وخبطوا خبطا فاحشا وجهلوا جهلا خبيثا ، وقد رد عليهم أهل الكلام بعد رد القرآن العظيم حيث كفروا كفرا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ